fbpx
Skip to content Skip to footer

المحاسبة وأهميتها في عالم الأعمال

ينظر الكثير من الناس نظرة دونية لكلية التجارة وخريجيها، فعندما تخبر أحدًا بالتحاقك بكلية التجارة لدراسة المحاسبة فإن أول ما يتبادر إلى ذهنه هو عدم حصولك على مجموع يؤهلك لدخول غيرها من الكليات. فما سبب هذه النظرة الدونية؟ وهل هي في موضعها الصحيح؟

يعتبر الكثير من الناس كلية التجارة كلية الشعب، فالملتحقون بها لم يحققوا شيئا متفردا لم يحققه عامة الشعب، وهم بالتأكيد مجبرون عليها إما لضعف تحصيلهم أو تعثر حظهم. ولكن الحقيقة أن كلية التجارة لها مريدوها ومحبوها، وتخرّج كل سنة آلاف المحاسبين، والممولين، والمسوقين، ومندوبي المبيعات والتحصيل، وغيرهم الكثير. فما هي أهمية المحاسبة في عالم الأعمال؟ 

كيف بدأ الأمر؟

أهمية المال لا تخفى على أحد، فاحتياجنا إليه احتياجٌ يومي لا يَجبُره شيء إلا وجوده، وسعي الناس الدؤوب للحصول عليه سعي متجذر في نفوس البشر، ولا يتوقف الأمر بطبيعة الحال حول أهميته لطفل صغير ينتظر بشغف مصروفه اليومي من والده لغاية سياسات الدول واقتصادها، حروبها، نصرها وهزائمها، عقائدها، مأكلها ومشربها، ليلها ونهارها. حاول فقط أن أن تجعل الحياة خالصة من الأموال والتجارة ولن تفلح.

وباستقراء سريعٍ لقيمة الأموال والتجارة في أقوال الأقدمين. يرى الدمقشي في كتابه “الإشارة إلى محاسن التجارة” أن الأموالَ كلها نافعة إذا ما دُبرت كيفما يجب، كما أنه يمتدح الغنى الموروث والمكتسب، فالأول يخبر عن نعمةٍ قديمة والثاني يخبر عن همةٍ عالية وعقلٍ وافر ورأي كامل، ويبلغ مدحه للغنى إلى الحد الذي يقول عنه “ولو لم يكن في الغنى إلا أنه من صفات الله عز وجل لكفى فضلاً وشرفًا وتعظيمًا.”

وفي بيان وظائف النقود قال ابن خلدون “هي مقياسٌ للأثمانِ وأداةٌ للادخارِ ثم وسيلةٌ للتبادل”، وبيّن وجهة نظره في الثروة والنقود والتي تتطابق مع التفرقة المعاصرة لعلم الاقتصاد الحديث، حيث أن الثروات تُحدد بالقيمة الحقيقية للإنتاج وما يتحقق من فائض ميزان المدفوعات وليس ما تمتلكه من كنوز وذهب، حيث قال “فاعلم أن الأموال من الذهب والفضة والجواهر والأمتعة، إنما هى معادن ومكاسب مثل الحديد والنحاس والرصاص … وإنما هى الآلات والمكاسب والعمران الذي يوفرها أو ينقصها”، وهى هنا فعل التجارة والمحاسبة، تلك المهنة التي يضمن بها الناس كفافهم و يضمن العاملين فيها طموحًا للغنى لا يتحقق بسواها.

وحثُّ الناس على التجارة والعمل بها أبلغ من أن يستأثر به واحد، فهى فضيلة الدين والدنيا، فاليد العليا خير من اليد السفلى وذم الفقر والاستعاذة منه محصّلة حياة أفضل وعبادة أخير. 

وفي موضوع الفقر يقول أحمد بن علي الدَّلجي في كتابه “الفلاكة والمفلكون” عن الاستهلاك التفاخري والذي يمثل مشكلة كبيرة في المجتمع العربي “من الأسباب العامة للفقر أنه كلما تجدد للإنسان دخل جدد له صرفًا، إما بالمباهاة والترفع على أمثاله أو إفراطًا في الشهوات وانهماكًا في اللذات أو خوفًا من سوء القالة”

كيف تطور الأمر؟

تسبق المحاسبة الأموال، وكانت تستخدمها المجتمعات القديمة في الأصل لتتبع مواردها المحدودة، وهناك سجلات محاسبية من بلاد ما وراء النهرين يرجع تاريخها لأكثر من 7000 سنة تسرد تبادل السلع على مدار الوقت، وأصبحت المحاسبة فيها البنية التحتية للغة والمعلومات من أجل التجارة، ومكّنت المحاسبة الناس من إنشاء إمبراطوريات واسعة كتلك التى بناها المصريون والرومان. 

ونظرًا لتدرج الحسابات كان من المنطقي الانتقال من حساب الأغنام والحبوب والخشب لحساب الموارد وإدارتها باستخدام قيمة التبادل الخاصة بها من حيث الوحدة التجريدية: “المال”، وبالإضافة إلى ميزة التبادل، يسمح المال بتسجيل وإدارة الالتزامات، وكل ذلك مسجل فى دفتر الحسابات في شكله الحديث في القرن الثالث عشر. وعلى الرغم من حدوث بعض التغيرات الطفيفة إلا أن الوحدة الأساسية لتتبع وإدارة القيمة -نظامنا المحاسبي- قائمة على هذا الاختراع الذي يعود تاريخه إلى 700 عام ماضية.

وقد فتحت الأموال مجالًا جديدًا للمحاسبة من خلال تبسيط إدارة المحاسبة بشكل كبير والسماح للأسواق والشركات والحكومات بالتوسع.

وتكمن المحاسبة في التمويل والأعمال التجارية وبناء المدن وإدارة الموارد على نطاق واسع. في الواقع هذه هي الطريقة التي يتتبع بها العالم كل شيء ذي قيمة تقريبًا.

وبدخول أجهزة الكمبيوتر والإنترنت وأنظمة التشفير الحالية أصبحت لدينا الفرصة لإنشاء نظام محاسبة يقودنا إلى القرن الحادي والعشرين، وهو نظام يتخطى الأرقام في دفاتر القيد ويستخدم التعلم الآلي وسلسلة الكتل والتمثيل الخوارزمي.

ولا عجب في ظل تلك المكانة الرفيعة أن تحتل مهنة المحاسبة قوائم المهن الأكثر ربحية! هذا بالنظرة الضيقة لما يشتمل عليه هذا العلم من مهن ووظائف تبدأ بمدراء شركات تتجاوز أرباحها أرباح دول. 

أتربة تخفي الحقيقة.

“لكنني كنتُ النموذج الأحدث في هذا الدرب والأكثر مرواغة، لم أرَ في حياتي جثث الموتى ولم أشم رائحة اللحم المتعفن، ولم أسمع صرخات الألم؛ لكن ما فعلته هو الشر نفسه، ربما في التحليل النهائي أرى نفسي أكثر إجرامًا وشرًا”

تلك كلمات لـ”جون بيركنز” -مؤلف كتاب الاغتيال الاقتصادي للأمم- والتي يصف فيها مهمته التي كُلف بها. فالطريقة الأمريكية في السيطرة على الشعوب تبدأ بقتل اقتصادي عبر إغراء الحكومات بالاستثمارات والتورط بديون لا تستطيع منها خلاصًا مما يجعل الذبيحة مهيئة للإطاحة بها عبر دعم أحداث شغب أو تدخل عسكري أو عبر طريقة الانقلابات. 

فالمحاسبة ليست ممارسة محايدة كما يقترح المصطلح، في النهاية تسعى الحكومات والشركات والمجتمعات بأسرها لتحقيق ما يتم حسابه مع تجاهل ما هو غير موجود وربما يفسر ذلك سلطة الرأسمالية؛ لامتلاكها المرونة التي جعلتها النظام الاقتصادي السائد عالميًا. 

 يقول البروفسور لورينزو “بدون إنكار أهمية المصالح الراسخة بين الطبقات الحاكمة، أعتقد أن القوة الحقيقية للرأسمالية تنبع من نظرية القيمة التي فرضتها على المجتمع. يمكن تلخيص هذه النظرية على النحو التالي: يتم إنشاء القيمة فقط من خلال معاملات السوق والتي تكون دائمًا إيجابية بالنسبة للاقتصاد، أما بقية الأشياء مثل التكاليف الاجتماعية والآثار البيئية فإنها لا تهم.” 

مصالح السوق هى مصالح المجتمع، ومقاربة السياسي بالاقتصادي تكاد تكون واحدة، فالمصالح السياسية مبنية على الاقتصادية وكلاهما يسند الآخر ليتحول الأمر إلى الكل، والكل هنا هو الشعب والسياسة والاقتصاد فى صورة الأقوى؛ صاحب السلطان والمعرفة، وتستعبد أمم باسم المعونات والمساعدات والبرامج التنموية.

عرض التعليقاتاغلق التعليقات

اترك تعليقا

 
Close Bitnami banner
Bitnami