fbpx
Skip to content Skip to sidebar Skip to footer
  •  1785م :

دخول! قف هنا! تنح جانبا، ارفع يديك عاليا، ابتعد عن البوابة الخارجية، لا تقترب من النافذة !

كان ذلك هو الروتين اليومي -تقريبًا- للتعليمات في “سجن بريسيديو” في كوبا، والذي تم بناؤه على طريقة سجون “البانوبتيكون”.

بانوبتيكون هو نوع من السجون قام بتصميمه الفيلسوف الإنجليزي والمنظر الاجتماعي “جيريمي بنثام”، في عام 1785. مفهوم التصميم: هو السماح لمراقب واحد بمراقبة جميع السجناء، دون أن يكون المسجونون قادرين على معرفة ما إذا كانوا مراقبين أم لا. وُصف بنثام” البانوبتيكون على أنه “طريقة جديدة للحصول على قوة العقل على العقل.”

اليوم، أصبح “سجن بريسيديو” متحفًا، بعد أن تم إغلاقه في فترة لاحقة، إلا أن فكرة “البانوبتيكون” كرمز للقوة غير المرئية، والتي ألهمت مفكرين وفلاسفة مثل: “ميشيل فوكو”،”ناعوم تشومسكي”، “زيجمونت بومان” وأعمال الكاتب البريطاني “جورج أورويل” لا تزال حاضرة.

صورة افتراضية، تظهر التصميم المحكم لسجن البانوبتيكون

صحيح أنه طراز ابتكر قديمًا؛ لمراقبة السجناء، وربما تم استبداله، إلا أنه تحول إلى فكرة ورمز، ربما تكون مسيطرة، حتى وقتنا المعاصر، وتفرض نفسها أيضًا.
فمن الخطير .. أن يكون هناك بانوبتيكون داخلي في عقل الشخص نفسه، و أن تكون “لا تقترب من النافذة ” صوت داخلي يصدر من الشخص لنفسه، والأكثر خطورة، أن يكون صوت أمم كاملة، تردد “ابتعد عن النافذة ” ليس بدافع الخوف بالضرورة، إنما لأن الإنسان عدو ما يجهل.
إن الحديث هذه المرة ليس عن نافذة أحد السجون، إنما عن النافذة الافتراضية. نافذة التكنولوجيا ..
هل سألت نفسك -يوما- عما إذا كنت مستعدًا؛ لتدخل تغييرا شاملا على نظام حياتك وعائلتك وعملك؟ هل سمحت لذلك التغيير أن يتسلل لحياتك، دون حتى أن تلاحظ. لتنقلب حياتك رأسا على عقب؟ تعتقد أن ذلك لا يحدث لك؟ تهانينا لقد أخطأت! 

 في الغالب، لا يرحب الكثيرون بتغييرات جذرية مفاجئة، سواء على المستوى الشخصي، أو على مستوى العمل، لكن -مؤخرًا- كانت التقنية: هي التغيير الشامل، والمفاجئ نسبيا، والذي طرأ على كل قطاعات الحياة، لدرجة عدم الانتباه لذلك، إذن كيف بدأ الأمر؟

  • للتنصيب: انقر زر الفأرة…

“ريبووت ” أو “إعادة تشغيل”: هو اسم لمسلسل رسوم متحركة ثلاثية الأبعاد، تم عرضه في الفترة ما بين عامي 1994 و 2001 وهو من إنتاج شركة “ماين فريم إنترتاينمنت” الكندية، وكان يُقدم حلقات تصف عالم الإنترنت والشبكات في صورة خيالية، عبر شخصيات تعيش داخل “النظام”، وتحارب فيروسًا، يسمى “ميجابايت” يحاول الاستيلاء على الحاسوب الأساسي، أو ما يسمونه “الخادم الرئيسي”. هناك قد تسمع كلمات مألوفة مثل: “النظام”، “الفيروس”، “الحارس”، “اللعبة”، و “المستخدم” وغيرها، مما نعتبره اليوم، كلمات عادية أو حتى قديمة نسبياً.

لم يكن ساعتها، ثَم قنوات فضائية منتشرة، انتشار اليوم. وندر حينها أن يكون هناك – في مصر على الأقل – حواسيب شخصية في البيوت، فضلاً أن يتوفر اتصال خاص بالإنترنت، إلا عبر خطوط الهاتف الأرضي، إنما كان يتم عرضه وقتها على شاشة التلفاز العادية وقنوات النيل. لا أذكر بالتحديد، وربما لا تذكر أنت أيضاً! بل على الأحرى، لا تعرف ما أتكلم عنه، حتى أنا احتجت أن أبحث مكثفاً عنه، ثم شاهدت حلقة أو اثنتين، حتى يتسنى لي تذكر الأحداث، وبناء القصة ومصطلحات الحوار، لكن هذا هو بيت القصيد وعين الشاهد.
إن ما نتحدث عنه هنا، ليس القطار البخاري، ولا عمل مكتب البريد الأساسي، الذي هو توصيل الخطابات البريدية بين الناس، بل لا نتحدث حتى عن “عصر الهاتف الأرضي و هوائي التلفاز”، إنما الحديث هنا عن بداية انتشارالإنترنت، وكيف أنه صار للبعض مجرد نوستالجيا جميلة، نتذكر فيها أيام المنتديات ودردشة “ياهو”، وعصر ما قبل فيسبوك، وللبعض الآخر: هي هذه حكاوى “كبار السن”، الذين يتكلمون فيها عن المجهول، وعن حياة بدائية غير متصورة قبل الانترنت، وقتها، كل ما كان عليك فعله؛ لتنصيب برنامج يعجبك: أن تنقر زر الفأرة”…

  • فوق السحاب

يصعب تصديق كيف كان الأمر، وكيف صار، ففي الوقت الذي نتحدث فيه -الآن- يصل إلى هاتفك الذكي إشعار باكتمال المزامنة بين هاتفك ومخزن بياناتك السحابي، نعم فقد صار كل شيء اليوم مختوماً بكلمة ذكي، ومصاحباً لكلمة سحابي، وما عاد عليك أن تحمل هَمّ سعة ذاكرة الهاتف، أو قرصك الصلب، لم قد تحتاج واحداً أصلا؟
فالحوسبة السحابية، أو كما يطلق عليها (‏Cloud Computing) -كما سنتناولها مستقبلاً- هي أبرز مثال على ‏ذلك، فمؤخراً صار الحديث عن تحويل سوق البرمجيات والتكنولوجيا من كونه سوقا يقدم منتجات ‏تكنولوجية، إلى كونه سوقًا لتقديم الخدمات التقنية و البرمجية، وذلك يستدعي طريقة التخزين، والحوسبة السحابية التي تعتمد على وجود شركات متخصصة، توفر خوادم عملاقة تسمح لعملائها ‏بالدخول و التخزين عليها، مع تحمل مسئولية تنظيم ذلك كاملة، فلا يحتاج مستخدم هذه الخوادم إلا ‏لجهازه الشخصي، وإلى حساب خاص كمستقبل لبياناته، من خادمه السحابي الإليكتروني.
هل ظننت أخيرًا أنك واكبت الحدث؟ يسعدني أن أفاجئك بأن الحديث عن تخزين البيانات فوق السحاب في طريقه ليصبح قديمًا، وتحل محله تقنيات جديدة، أولها “سلسلة الكتل” أو “Block chain” والتي تجعل من تخزين البيانات وتحويلها وحفظها شكلاً مختلفاً تماماً.
الخلاصة، هي أنك إن أمعنت النظر جيدًا، سوف تدرك حجم المفارقة، وتسأل بلا تردد: ما الذي يحدث؟!

  • التبشير

قد تسافر في خيالك متأملاً هذه الأمثلة الحياتية، متسائلاً كيف تغيرت الحياة بهذا الشكل؟ أو ربما مشككاً في حقيقة الأمر نفسه، لكنك في الأخير، تسلم بأن هذا هو الواقع، وتلك هي الحياة.
صحيح أن هذه الأمثلة تتناول جانبًا حياتيًا شخصيًا، لكن سبب هذا .. ليس أن أساس التغيير حصل، في جوانب حياة الأفراد فقط، وعلى مستوى الترفيه والاستخدام الشخصي، بل ليوضح  لك على النقيض، كيف حدث ذلك التغيير؛ ليشمل حتى تفاصيل الحياة اليومية، في ربع قرن أو حتى أقل، ويكون ذلك دليلاً، على أن ما خفي كان أعظم.
فقطاع الأعمال مثلاً، يشهد انفتاحًا لم يحدث مثله من قبل، من حيث استخدام التقنيات الجديدة وتطبيقات الأعمال المختلفة، والتي تحولت في معظمها؛ لتكون مقدمة على هيئة حزم من الخدمات، بدلا من كونها تابع في هيئة منتجات مستقلة، لتصير هذه التطبيقات مطورة يوميًا، ومواكبة لتسارع التكنولوجيا الجارف.
إن هذا التسارع الشديد في حركة التكنولوجيا فاجأ الكثيرين، على مستوى حجم التغيير وسرعة حدوثه، مع تلك الصعوبة في تقبله، والتي هي من طبيعة البشر، والتي جعلت الخيار الوحيد: هو أن تتكيف مع التسارع وأن تعتاد الجديد.
ما يثير الضحك هنا .. هو أنك لا تتقبل الأمر اضطرارًا -فقط- لكنك فوق ذلك، تجمع الأشياء وضدها، فيصبح الجديد عادة، والتغيير روتينًا، وهذا هو ما يميز التكنولوجيا، ويمنحها أهم صفة فيها، أنها أصبحت ضرورية، وأمرًا واقعًا، يظنه البعض يأتي بغتة لسرعة حدوثه، وانتشاره، وفرض سيطرته، لكن ذلك ليس دقيقًا. صحيح أن التقنيات الجديدة متسارعة، إلا أن التنبؤ بها، يحتاج لمتابعة وتكيف واطلاع، ففي النهاية هي ابتكارات بشرية -أو على الأقل مازالت كذلك حتى اللحظة- هدفها فعل الأشياء بطريقة أسهل وأكثر فعالية، والمتابع سيجد أنه دائمًا ما تكون هناك إرهاصات بحصول التغيير، وأشخاص دورهم في الحياة هو “التبشير” بالتقنية الجديدة، ولعل السبب في اختيار هذا التعبير الديني هو الإلمام بطبيعة البشر، وأن إقناعهم بتغيير الطريقة المتبعة التي عهدوها في القيام بالأعمال، والأنشطة اليومية بمثابة إقناعهم باعتناق دين جديد، جاءوا ليُبَشروا به، زاعمين أن فيه النجاة والراحة والخلاص.
فيكون عمل المبشر بالتقنية: هو شرحها للناس، وإظهار كيفية عملها، وما هي قادرة على فعله، وماذا ستقدم لهم، بل حتى ما الجديد الذي سيولد من رحم هذه التقنية الجديدة؟ حينما تصبح قديمة بعد غد.

                                               فيديو مبشر التكنولوجيا كارلوس دومينغيز 

  • كاتب الشيفرة…

إن هذه المقارنة المنعقدة هنا بين الماضي والمستقبل، تضعك أمام أسئلة ملحة، عن شكل العالم الآن، وآلية حياة البشر، وصورة القيام بالأعمال، وكيفية عمل التكنولوجيا، وأهميتها، بل وحتى يجعل البعض يتساءل، عن مدى خطر التكنولوجيا وتهديدها مستقبل البشر واستبدالهم بآلات ذاتية التعلم، قادرة على القيام بأعمالهم، كما استبدل البشر سابقاً الخيول بمثل هذه الآلات، فالأيام دُول كما يقولون.
لست هنا بصدد الحديث عن هذه الجدلية، أو هذا التخوف، ربما نتعرض له ونتناوله قريبًا، أو ربما يسبقنا هو، فيحصل المحذور، وتتحقق المخاوف. لكن هدفي هنا أن أضعك على أول الطريق، وأن أكشف لك أين تقف، فبغض النظر عن الجدليات والنظريات المختلفة فالتغيير يحدث والتسارع لا يقف، سواء رضيت أو أبيت، كنت خائفًا أو سعيدًا، المشكلة في أن تصنع سجن البانوبتيكون الخاص بك، داخل عقلك، والذي سيحول حتمًا بينك وبين أي جديد.
فالأمر اليوم، لا يقف على كونك تستطيع أن تكون مطورًا ومبرمجًا تكتب شيفرةً بلغة برمجة جديدة، وتتخذ من العمل في مجالات التكنولوجيا وسيلة حماية لنفسك ومصدر رزقك، أو رب عمل تحاول جاهداً أن تستمر في إنعاش شركتك، التي تفتقد إلى التطوير، ففي الحالتين.. إن لم تستطع أن تواكب التغيير، وتساير التسارع وتعتاد الجديد، فسوف تدور عليك عجلات الزمان، حتى لو كنت مبشراً بالتكنولوجيا، وكاتبًا تستطيع أن تشرح التكنولوجيا، وتكون صانع محتوىً تصوغه بلغة البشر، فحتى هذا .. يمكن أن يستبدل وأن تدور عليه الدائرة، وتكتشف بعدها، أنك كنت تقرأ مقالا كتبته آلة بلغتك .. لغة البشر، وتتعامل بمقاييسهم وتقول لك ختاماً:

                                  ” انتهت هذه القصة بالنسبة لي….” *



 

عرض التعليقاتاغلق التعليقات

اترك تعليقا