الخاسرون السعداء .. هل البائعون مزعجون بالفطرة؟!

 

أتذكُر عند خروجك من المترو، فيتلقاك صاحب التوكتوك كما الفريسة التي تمت محاصرتها “توكتوك يا أبلة .. توكتوك يا أستاذ” وعدد المحاولات اللامتناهية لتقنع أحد البائعين أنك ببساطة شديدة؛  قررت بكل إرادتك الحرة، أن تختار أنك في هذه اللحظة لا تريد شراء تلك السلعة، ليس -لا سمح الله- أنها لا تعجبك، لكن لأنك مثلًا نسيت المحفظة، أو تلك اللحظة التي تنتظر فيها اتصالًا من أحدهم، أو طغى عليك اكتئابك فترسم لك أحلامك الوردية أن هناك شخصًا ما في مكان بعيدًا جدًا عنك جاء ليحل مشاكلك وها هو يطلب رقمك للاتصال، فتجري بلهفة لتجد صوت المجيب “معاكم الشركة العصرية للأحلام الوردية” فتضع السماعة وقد أصبت بالإحباط.

أو تقرر شراء شقة فتذهب لأحد المكاتب التسويقية،  لتجد أن مصيرك أصبح معلقًا بمصير رجل المبيعات الذي لا تستطيع الإفلات منه.

“انتهازي، مزعج، غير جدير بالثقة، وجشع” أسوء كابوس ربما أن تكون في موضع يوسف أو عادل في تصوير أحمد أمين لطبيعة عمل رجل المبيعات، وربما الأسوء أن تكون مضطراً لذلك. وفقًا لدراسة مارك وايشاك فإن الصفات السابقة هي ما تتبادر للذهن عن رجال المبيعات، مندوبي المبيعات أنفسهم يعلمون أنهم غير محبوبين. 

من السخافة طبعاً تصور أن كل رجال المبيعات بهذا الشكل، خاصة مع تعقد تلك الوظيفة حسب تعقد التجارة التي تنطوى عليها، فمثلًا مندوب المبيعات الذي يصطحبك في المترو يختلف كليًا عن آخر يعمل في شركة دولية،  لغة التواصل تشعرك بفرق التعليم والثقافة. 

لكن الجميع أيضًا منخرط في فضيلة البيع، التي هي موضوع مقالنا. نحاول أن نحلل نفسية البائع وتعاملنا معه، وما تنطوي عليه هذه الوظيفة من إجهاد ومخاطر، فهل في الأمر فن ونظر؟!

في دراسة استقصائية أجرتها قاعدة بيانات “باى سكال” المهنية على الإنترنت، تم تصنيف مدير المبيعات على أنه ثاني أكثر الوظائف إرهاقاً، حيث صنف 73 بالمائة من المستجيبين على أنه “مرهق للغاية”، يتعرض مندوبي المبيعات للكثير من الضغوط للحفاظ على العملاء والوفاء بمستوى أداء عالي.

معدلات الرضا الوظيفي أظهرت انخفاضًا أيضًا، كشف استطلاع 2018 الذي أعده مارك وايشاك أن 17.6% فقط يُقدرون رضاهم الوظيفي على أنه ممتاز، و 47%  آخرون يصفونه بالجيد حيث تتناسب معدلات الرضا الوظيفي عكسيًا مع ساعات العمل.  

يبدو اليوم أن المواضيع التي يجب أن يكتب فيها الباحثون، ليس عن تحقيق أرقام مبيعات عالية أو توظيف مندوبين محترفين ربما يجدر بهم التفكير في التهديد الأكبر وهو خسارة المندوبين أنفسهم، حسنًا .. يبدو الأمر مأساويًا للغاية لكن حقًا هل يشعر كل البائعون بهذا الأمر؟! 

عندما تستمع لرجال المبيعات وهم يتحدثون عن وظيفتهم تجدهم يتحدثون عن مزيج عجيب من الإزعاج  المطلق الذي يتعرضون له؛ لكنهم في الوقت ذاته لا يستطيعون التخلي عنه. في حوار مع عدد من مندوبي المبيعات في مجال التكنولوجيا “اجتمعوا على عدد من التصرفات المزعجة التي يتعرضون لها بشكل يومى”.   

  • مشاكل كهروب العميل وعدم الرد على الهواتف من أكثر صور الإزعاج الذي يتعرضون له، هو بالتأكيد انعكاس لمشكلة كلمة “لا” المستهجنة -تحديدًا في الوطن العربي- الأمر الذي يضع الصفقات على حافة الهاوية، محطات من الإحباط أصبت بها من مجرد سماع أكثر من قصة عن ضياع الصفقة في لحظتها الأخيرة. 
  •  تصدير موظفين ليسوا من صناع القرار للتواصل معهم، مما يؤدي لإضاعة الكثير من الأوقات والاستنزاف بدون عائد وقد يكون محاولة غير مباشرة للتملص من الصفقة، وهنا نعود للنقطة الأولى. 
  •  الصورة الذهنية عن البائع “انتهازي ومزعج وغير جدير بالثقة” تصور أن تتصل بأحدهم وتكون مُسجلاً على هاتفه باسم “المزعج أفندي”. 

لكن المفاجئ، عند سؤالهم عن الوظيفة نفسها تجد أحدهم يصور علاقته بالعميل بعلاقة الخطبة، -المليئة بالأشياء المجهولة التي يسعى لاكتشافها- وآخر يتحدث فخرًا بأن تلك الوظيفة أكسبته شخصيته وأظهرت فيه قدرات كان يجهلها، وهنا تجد أن العمل بالمبيعات إغراء لا يمكن مقاومته لبعض الأشخاص، وإذا خبرته فإنه يصعب عليك مفارقته حسب تأكيدهم، ربما ذلك الشيء المذهل في المبيعات هي مقاومة البائع لـ “اللاءات” المتعددة والرفض المستمر، ما هذه الصلابة وما هذا الإصرار “ما شاء الله”.  

قد يكمن الإغراء في غموض النتيجة التي تستفز نفوسًا تحييها المنافسة، وهنا يظهر السؤال جليًا؛ هل حقا مندوبي المبيعات مزعجون بالفطرة؟

 للإجابة عن هذا السؤال لا بد توضيح أن فن البيع معقد في كل أمة، لكنه دائمًا متأثر بالتجربة الجماعية، بالتأكيد .. قيم السوق تختلف من دولة لدولة، أن تبيع في الشرق الأوسط ليس كالبيع في أوروبا، لكن بالحديث عن نظرة أكثر شمولًا، فإن هناك نماذج أصلية متصورة عن البائع نفسه، كما المحارب فهو في كل الثقافات بطل ساعد شعبه على الفوز؛ لكنه على شكل ساموراي باليابان وعلى شكل راعي بقر في أمريكا. 

يقوم “رابيل” الأستاذ بالأنثروبولوجيا الطبية والذي عمل محللًا نفسيًا لمدة عشر سنوات بفرنسا بدراسة النماذج البدائية والأنماط الأساسية في علم النفس، وتأثيرات تلك النماذج الأصلية علينا، يقول “رابيل” إن نموذج البائع هو نموذج الخاسر السعيد. 

إن نموذج الباعة هم “خاسرون سعداء” سواء كانوا يعرفون ذلك أم لا، هم مثل المقامرين المدمنين يعرفون أنهم سيخسرون معظم الوقت لكنهم متحمسون من فرص الفوز الخارجية، هم يُرفضون في أغلب الوقت، لماذا قد يرغب أحد بوظيفة مثل هذه؟! ربما السر في المطاردة .. الباعة لن يكونوا أبدًا جنسًا مهدداً بالانقراض، سيكون هناك دائمًا أشخاص يستمتعون بهذه الوظيفة ويرغبون بها، ومهما كانت ثقافتك لا يمكن أن تكون مندوب مبيعات دون أن تخسر معظم الوقت، لذلك تجد أن الناجحين فيهم أولئك الذين يشعرون بالسعادة عندما يخسرون، فهم لا يفقدون الأمل بمجرد الخسارة، بل إن ذلك يحفزهم للجولات التالية. 

كل هذا مرتبط بمبدأ الإثارة، بفقدان الكثير من الوقت، لا يمكن للمدراء أن يقنعوهم أنهم سيفوزون دائمًا. بادئ ذي بدء لن يصدقهم بائعوهم، ثانيًا تصبح الوظيفة أقل جاذبية، طريقة الإدارة أن تبين لهم أنك تفهم مدى صعوبة الخسارة، وأنك تريد منهم أن يكونوا سعداء، بالتأكيد المال عامل أساسي في كل أنشطة الحياة لكن المال لا يدفعهم للصمود والمحاولة، إن القيمة التي تحركهم هي في النضال نفسه. 

ألا تذكر تلك الصفقات التي بذلت فيها مجهودًا عظيمًا واستمتعت بها؟ تأكد أنك ستذكرها بشجن حتى لو لم تحقق مكاسب عظيمة لكنها غدت في سجل إنجازاتك لامعة. 

ولكي تنمو هذه المهارة لدى المندوبين، عليك أن تحفز معاني النضال عندهم، أعطهم مشاريع أكبر حيث يمكن أن يكون لديهم خسائر أكبر، اعقد اجتماعات ضخمة تحفيزية تكافئ فيها “بميدالية فضية للرفض” مثلاً، حتى لو بدا الأمر سخيفًا لكن هذه هي الطريقة لتشعل النار في نفوسهم وتحيي المغامرة. 

كم خذلتنا الحياة، وكم من المراحل والمحطات التي خضناها واكتشفنا أنها بلا فائدة لكنها حفرت مكانها في النفوس والذاكرة،  كيوم صيدٍ عظيم أدميت فيه قدميك وشهدت فيه من المغامرات أخطرها، لكنه يبقى عظيما حتى لو أن صيده لم يكافئ تكاليفه، هذه باختصار نفوس البائعين المهرة التي لن تضمحل من الوجود. 

لماذا قد يبدوا إصرارهم إزعاجًا لنا وكيف يتعاملون معه؟ هل تريد أن تعرف كيف يكون هذا الإزعاج فعالا ؟

الخاسرون السعداء .. هل البائعون مزعجون بالفطرة؟!

موضوعات في هذا المقال

مواضيع ذات صلة

“السعر إنبوكس”… حركة ذكية أم خطوة خاطئة في رحلة البيع؟
%d8%aa%d9%83%d9%86%d9%88%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%8a%d8%a7
August 29, 2019

من بائع الخضروات مرورًا بسائق التاكسي إلى مكتب مسؤول المبيعات في كبرى الشركات "بكام يا…

كيف يستفيد البائعون من وصمهم بسمعة الإزعاج؟
%d8%aa%d9%83%d9%86%d9%88%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%8a%d8%a7
August 29, 2019

لماذا يُوصم البائعون بالإزعاج؟    يستوقفك أحدهم أثناء الحديث "اوعى تكون بتبيع لي" جميعنا نعلم ماذا…

مقالات شائعة

الجودة في مقابل السعر.. كيف أبدعت “سترة” في تحقيق هذه القاعدة؟ (دراسة حالة)
#قصص_العملاء دراسة حالة
October 3, 2019

سترة اسم لماركة ملابس شابة تم إنشائها عام 2016، تهتم بجودة التفصيل بأسعار في متناول…

برامج تخطيط موارد المؤسسة .. كيف تختار واحدًا لشركتك؟
إدارة تخطيط موارد المؤسسة محاسبة
September 4, 2019

في مكان بعيد ناءٍ جدًا عن المدينة توقفت سيارة فلان حيث لا بشر ولا حضر،…

“السعر إنبوكس”… حركة ذكية أم خطوة خاطئة في رحلة البيع؟
B2B الأسعار مبيعات
August 29, 2019

من بائع الخضروات مرورًا بسائق التاكسي إلى مكتب مسؤول المبيعات في كبرى الشركات "بكام يا…

scroll to top
scroll to top